محمد أبو زهرة
1461
زهرة التفاسير
والطائفة التي لم تكن على هذه القوة والإيمان ذكرها سبحانه على أنها خارجة على الخطاب ، وكأنها ليست من المؤمنين فقال تعالى : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ . لأن نسق الآية يومئ إلى أنها بعيدة عن الخطاب ، قال أكثر العلماء : إنها من المنافقين ، أي أن هذه الطائفة ليست مؤمنة ، بل كافرة تظهر الإسلام وتبطن غيره ، ولكن الأوصاف التي ذكرت لها من بعد تومئ إلى أنهم من ضعاف المؤمنين الذين وصفهم اللّه تعالى بأن في قلوبهم مرضا - في غير هذا الموضع ؛ وذلك لأن اللّه تعالى يصفهم بأنهم يظنون ظن الجاهلية ، وهذا يفيد أنهم ليسوا من أهل الجاهلية ، وهم يعتذرون لأنفسهم بالقضاء والقدر ، واللّه سبحانه وتعالى بيّن أن ما نزل كان للابتلاء والتمحيص وأدخلهم فيه ، وليس كذلك المنافقون ، والنص يومئ إلى أنه كانت فيهم جراح ، والمنافقون لم يخوضوا غمار الحرب ، فلا جراح فيهم ، ولا قتل ، وهؤلاء كان فيهم قتل . وفي الحق إن غزوة أحد كان فيها عدد من ضعاف الإيمان ، إذ قال سبحانه : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) [ آل عمران ] . وعلى ذلك نقول : إن هؤلاء كانوا من ضعاف الإيمان لا من المنافقين . ولقد وصف اللّه سبحانه وتعالى هؤلاء بأنهم أهمتهم أنفسهم ، وبأنهم يظنون باللّه غير الحق ظن الجاهلية ، وكلمة « أهم » مأخوذ من الهم . والهم ما يهم به الإنسان ، وما يحزنه ، يقال : همني الأمر بمعنى أذابنى من الحزن ، ومعنى أهمتهم أنفسهم ، جعلتهم لا يجعلون لهم أمرا يهتمون به سواها ، فلا يهمهم شأن الإسلام ، انتصر أو انهزم ، ولا شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحابته ، بل الذي يهمهم وحده هو أنفسهم ، أو يكون المعنى : أوقعوا أنفسهم في الهم والحزن بعدم اطمئنانهم وعدم صبرهم وجزعهم المستمر .